“السجن ومصارعة الزمن”


يعيش الناس جميعًا في حياةٍ واحدة ويمر عليهم جميعًا زمن واحد ولكن ثمة هناك سورٌ يُضرب بين أبناء الوطن الواحد فيجعل من يعيش وراءه ظلمًا بلا أي ذنب أو جريمة سوى أنه أراد لنفسه ولكل من يعيشون خارج الأسوار حياة كريمة يسودها العدل وتغمرها الكرامة يعيش الوقت ضعفين أو أكثر.

فحياة المعتقل خلف الأسوار محصورة بين ضيق الزنزانة ومتسع الوقت المرعب فتصبح معدومة الأنشطة بعدما كان يعيش حياة طبيعية فيصبح الوقت ثقيلًا جدًا وتزيد تلك المعاناة بزيادة مدة الحبس أو باختلاف هيئته:
فإذا كان المعتقل معه عدد من الناس حوله فيكون هناك متسع للقضاء على الشعور بثقل الوقت حيث يحرص السجناء دائمًا على ممارسة الأنشطة التي تمكنهم من القضاء على ملل الوقت كالقراءة مثلًا، كما يتبادلون النقاشات والحديث فيما بينهم وهذا كله يساعد بشكل جيد في القضاء على الشعور بثقل الوقت “وهذا حسبما ذكره عدد من المعتقلين السابقين خلال حديثهم عن تجربة إعتقالهم”.

ولكن الوضع يكون أصعب و أكثر تعقيدًا في حق بعض السجناء الذين يمرون بظروف احتجاز أصعب، كهؤلاء الذين تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي سنة أو أكثر، أو كحال البعض من المحبوسين انفراديا لفترات طويلة.
__
“الحبس الإحتياطي”

ومما ورد في شأن الحبس الاحتياطي ومدى تأثيره على شعور المعتقل بثقل الوقت أنه عادةً ما يساهم في تعميق الشعور بثقل الزمن والملل الذي لا ينتهي، أو الذي لا تعرف نهاية محددة له، خاصة مع تمديد فترات الحبس الاحتياطي التي أصبحت إحدى السمات الرئيسية في تعامل منظومة العدالة الجنائية مع المتهمين، كانعكاس للقرار رقم 83 لسنة 2013 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية والذي سمح بعدم التقيد بمدة للحبس الاحتياطي في الجرائم التي تكون عقوبتها الإعدام أو المؤبد، وبالتالي أصبح الآلاف من المحتجزين قيد الحبس الاحتياطي -المحكوم عليهم بالمؤبد والإعدام- لحين الفصل في الحكم من قِبل محكمة النقض.

كما تخطى العديد من المحتجزين مدة الحبس القانونية “عامين” دون إخلاء سبيلهم، ولا يعرفون هل هناك خلاص من هذا الوضع أم لا؟

فعلى أقل تقدير يعلم السجناء المحكوم عليهم متى الخروج من هذه الغرفة، ومن هذا المكان المغلق المظلم، يوجد محرك لمرور الوقت، وانتظار موعد انتهاء العقوبة، ولكن يُحرم المحبوسون احتياطيًا حتى من حساب الأيام، فلا يوجد موعد محدد لخروجهم.
__

“الحبس الانفرادي”

وأيضًا مما قيل في شأن الحبس الإنفرادي وتأثيره الكبير على شعور المعتقل بثقل الوقت وطوله أن “الزنزانة المتكدسة أفضل من الحبس الانفرادي”

فإن مما يساعد المعتقل على تحمل ثقل الوقت الذي يمر عليه في السجن وثقل الأيام هو وجود من يؤنسه ويقضي معه وقته فقد تخف عنه هذه الأعباء مع وجود رفقاء يشاركهم تفاصيل يومه كالصلوات و تناول الطعام والشراب والحديث عما كان مع كل واحد منهم قبل إعتقاله.

فماذا لو انتفت أبسط حقوقه وسُلبت عنه الطرق التي تمكنه من التحايل على وقته؟ ماذا لو بقي السجين وحيدًا داخل غرفة مظلمة لا يوجد بها الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟

يمتد شعور السجين بالعزلة عن الحياة خارج أسوار السجن ليس فقط على مستوى انقطاع أخبار ذويه، أو أخبار العالم من حوله، وإنما يمتد إلى مستوى فقدان الشعور بتعاقب الليل والنهار فلا يوجد شباك -قد يكون مغلقًا بأسلاك حديدية مضاعفة-، كما قد يُمنع مَن يُعاقب بالحبس الانفرادي بالتبعية من الخروج للتريض أو حتى للزيارة فيكون معزول تمامًا عن كل المؤثرات الخارجية وعن الحياة المادية بكل أشكالها مما يؤدي لصعوبةٍ أكثر في التعامل مع الوقت وكأنه في متاهة زمن وبالتالي تحدث إضطرابات نفسية وجسدية عديدة للمعتقل قد تمتد بعيدًا معه وتصاحبه حتى بعد خروجه إذ إنها مُصمَّمة بشكل لا يسمح بدخول أشعة الشمس أو الضوء الطبيعي فإلى جانب التأثير النفسي على السجناء، فهو يساهم في عزلتهم الزمانية، إلى جانب عزلتهم المكانية داخل الزنزانة.

#كبسولات_نفسية
#جِوار_حق_الأسرى_على_الأحرار

جميع الحقوق محفوظة © 2024 Civar Psikolojik Destek Sosyal Haklar Özgürlükler Yardımlaşma Ve Dayanışma Derneği